أطفال الشوارع
كتبهاحنان حارث ، في 28 يونيو 2006 الساعة: 17:28 م
عندما يصبح الشارع الملاذ الوحيد
أطفال يقضون يومهم في التسول والسرقة
الدار البيضاء تضم مابين 1000 و4700 طفل مشرد
تعد ظاهرة أطفال الشوارع أو الأطفال المشردون من أبرز قضايا الطفولة التي يعاني منها العالم كله، والمغرب خاصة فهي من أسوأ الظواهر الاجتماعية، وهذه الفئة من الأطفال هم في العادة أطفال فارون من أسر مفككة، أولا أسر لديهم، يفتقرون إلى الملجأ، وبذلك يستوطنون الشارع الذي يقيمون فيه نهارا وليلا؛ يمارسون أعمالا هامشية، ويتعرضون في أماكن إقامتهم إلى أفظع أشكال الانتهاكات.
إذ تحدد الوثائق الصادرة عن الوزارة المعنية بقطاع الطفولة والأسرة عددهم ب14000 طفل في المغرب كله، يتواجد منهم في مدينة الدار البيضاء وحدها مابين 1000 و4700 طفل تتراوح أعمار أكثرهم ما بين 4 سنوات و12 سنة. أكثرهم في المدن الكبرى والمراكز الحضرية مثل: الدار البيضاء، مكناس، تطوان ومراكش. وفي بعض المدن المتوسطة التي تعرف انتعاشا سياحيا داخليا أو خارجيا مثل: مدينة الصويرة وآسفي… أغلب هؤلاء الأطفال من الذكور في حين تشكل الفتيات نسب ضئيلة بالمقارنة معهم، لكن مع هذا تعرف تزايدا مستمرا، نتيجة التقاطهن من طرف شبكات الذعارة أو كخادمات في البيوت بأجر هزيل مما يؤدي بهن إلى الهرب واختيار الرصيف كحل للعيش بحرية بعيدا عن كل الضغوطات.
اقتربنا من هؤلاء الأطفال وعاشنا معهم لحظات تشردهم، فاطمأنوا لها.. وتحدثوا بعفوية، وبصدق عن ما أثقل كواهلهم وباحوا بمكنوناتهم فتمنوا أن يأتي يوم ويصبحون فيه بشر لهم ما لهم وعليهم ما عليهم
جولة واحدة تقوم بها في أحياء مدينة الدار البيضاء، تكتشف عالما آخر لأطفال اختاروا العيش في الهامش نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية.. تكشف الستار عن واقع بئيس ومرير يعيشه أطفال بين جنبات الشوارع وتحت عجلات الشاحنات، ينامون في العراء؛ يلتحفون أشياء من الكارتون والبلاستيك تسمى مجازا فراشا وغطاء، أطفال طلقوا الحياة وعاشوا في متاهاتها، تجدهم بملابسهم الممزقة والمتسخة يتسكعون ويجوبون الطرقات في حالة يرثى لها.. يتسولون، يسرقون يشمون لصاق "السيلسيون" أو "الدوليو" يتناولون "القرقوبي" و"المعجون"، يدخنون أعقاب السجائر: " البينتة" و"الحشيش "ويأكلون الفتات… علامتهم بشرة سودتها أشعة الشمس وكآبة تحفر خطوطها في الوجه الصغير.. يتخدوون من الشارع الأب والأم وبذلك يتقنون لغته، يتفوهون بكلمات جاهزة وكأنها حفضت غيبا.. إنهم أطفال أطلق عليهم المجتمع اسم "الشمكارا".
بمجرد ما تقتحم عالمهم وتبادرهم بالسؤال عن الظروف التي جعلتهم يستوطنون الشارع تتبعثر الكلمات في أفواههم، وتبدوا الحسرة على ملامح وجوههم وتقفز الدموع معلنة عن جرح غائر لا يريدون أن يفصحوا عنه، قليلون من تجاوبوا فكان هدفهم الأول والأخير أن تكون قصصهم عبرة.. معلنين أنهم لو كانوا يعلمون ما ينتظرهم في الشارع لما استسلموا لهذا القدر الذي اختاروه في لحظة ضعف.
عيشة الزنقة ارحم من " با"
يعتز سعيد باسم " لوقيدة" الذي أطلقه عليه أصدقاؤه الذين يفضلون النوم على أرصفة الشوارع، بحيث وجدوا أنفسهم مجبرين على هذه الحياة التي جعلتهم عرضة لكل الموبيقات.
سعيد بالرغم من صغر جسده وقصر قامته التي تجعلك تعتقد أن عمره لم يتعد التسع سنوات فإنه تراوج الخامسة عشرة، وهو ليس حالة فريدة في شوارع البيضاء، لكن يوجد العديد من عينة سعيد يفترشون شوارع العاصمة والمغرب كله.
"لوقيدة" كما يحب أن يناديه أصدقاؤه يدخن السجائر ويشم السيلسيون مثل أغلب هذه الشريحة، وإذا ضاق به الحال ولم يجد ما يشتري به سيجارة فإنه يتسول أو يسرق ركاب الحافلات خلسة، وإذا لم تنفع هذه الوسيلة نتيجة ظبطه أو وجود جيوب خاوية فإنه يجمع أعقاب السجائر ويدخنها.
بعينيه الزائغتين اللتان يملؤهما الحزن والشرود رفع رأسه إلى السماء وقال:"أتمنى أن أكون ضمن ذلك السرب من الحمام " إنه حلم لطفل أنهكه النوم على أرصفة الشوارع وقساوة برودة الجو.
يضيف سعيد أهلي يعيشون في أحد الدواوير الكائنة في الدار البيضاء.. أبي بائع للسجائر " بالديتاي فرا س الدرب"… كان أبي يضربني كلما تأخرت في الخارج.. وفي ذلك اليوم هربت من البيت من دون أن يدري أبوي بذلك قررت أن أعيش بحرية من دون قيود.
وببسمة استنكار علت وجهه المتسخ قال:" عيشة الزنقة ارحم من با" بالرغم من ذلك لم أكن أدر أني سأجني كل هذا..
" لوقيدة" أو سعيد عمل في أماكن عدة منذ أن فر في اتجاه الشارع ومارس العديد من الأعمال، لكنه تركها لأن أصحاب العمل والعاملين كانوا يعاملونه بقسوة بلغت حد التحرش به.
ويحاول علي شعباني أستاذ وباحث علم الاجتماع أن يفسر ظاهرة انحراف الأطفال كسلوك إنساني فيقول: الأصل في الطبيعة البشرية الإتزان والنزوع إلى فعل الخير، فالإنسان على عكس ما يعتقد بعض الفلاسفة لايولد شريرا ولا عابثا ومستهترا.. كما أنه لا يولد جشعا وأنانيا.. وإنما البيئة والمحيط الإجتماعي والظروف التي ينمو وينشأ فيها الفرد هي التي يكون لها المفعول القوي على شخصيته، فتشكل طباعه وتهذب أخلاقه، وتحدد ميولاته واتجاهاته. ويضيف شعباني أن انحراف الأطفال لا يرجع بالضرورة إلى نزعة دفينة في نفس الطفل أو إلى عجز في إدراكه، وإنما يرجع ذلك إلى اختلالات في البيئة الاجتماعية وقساوة الظروف التي ينشأ في ظلها هذا الطفل.. وكذا فساد التوجيه وقلة الرعاية من لدن من هم لهم أمر الرعاية والتنشئة والتربية على القيم التي يضمن له الاستقرار النفسي والاندماج والتكيف مع الظروف الاقتصادية والثقافية السائدة في المجتمع الذي يحتضنه.
ويشير شعباني إلى أن الإنسان في جميع مراحله معرض لمواجهة المشاكل منها ما يتصل بصحته الوطنية أو بموقعه في أسرته أو في مدرسته أو محيطه الاجتماعي، وقد يكون هذا المشكل ذا بعد مادي أو اجتماعي أو ثقافي، ومنها ما يتعلق بإدماجه وتكيفه والأمر في كل هذه الأحوال لا يكون صعبا.
تعرضت للاعتداء الجنسي
قصة أخرى بالر غم من تشابها مع قصة سعيد إلا أنها تختلف بعض الشيء في بعض التفاصيل اسمه علي وينادونه ب"عليلو" كان متكئا على كتفه الأيسر، وبجانبه صديق له يشمان "الدوليو" وبلسان ملتو ينبئ عن درجة "الدوخة" التي وصلا إليها قالا بصوت واحد:" نتسر كل معاكم" اقتربنا منهما، كشفنا عن هويتنا.. وبعد تبادل بعض الكلمات في محاولة لبعث الاطمئنان، وبعد الأخذ والرد قال علي تركت الدراسة بعدما بلغت سن الثانية عشر، فتركت البيت بعدما علم أبي أني أصبحت أشم السيلسيون.. و بذلك أصبح الشارع ملجئي الوحيد، أحيانا اذهب إلى المرسى فأقضي أياما هناك، ثم أعود إلى هذه الحديقة..أصبح الكل يعرفني..في النهار أجوب شوارع البيضاء لأقضي يومي بباب مراكش أنا وصديقي محسن، وعندما يحين الليل نلجأ إلى مكاننا هذا نشم "السلسيون" أو "الدوليو" وخلال حديثهما معنا طرحنا عليهما سؤالا: إذا ما كانوا تعرضوا للاستغلال الجنسي فكان النفي لعلي ومحسن بالإيجاب، حيث قال كان ذلك في أول ليلة أبيت فيها في الشارع كنت حينها "غشيم ما تتعرف والوا.." وبلهجة فيها سخط أضاف علي: كثيرا ما نصادف رجالا أو متشردين مثلنا قدامى يعرضون علينا بعض الدراهم من أجل ذلك تصل إلىعشرة دراهم أو خمسة عشرة درهم لكن نرفض ما يطلبون منا…
وفي هذا يرى علي شعباني علم أستاذ الإجتماع: أن ظاهرة الانحراف لدى الأطفال ما تفتأ نسبتها في تصاعد كبير على الرغم من المجهودات المبذولة في هذا الشأن من جهات متعددة من الدولة والمجتمع. ويوضح أن المطلع على حقيقة الوضع لا شك أنه سيصاب بالذعر الشديد، فلا المعطيات الإحصائية الرسمية تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة ولا الجمعيات المتدخلة في الموضوع في استطاعتها الإلمام بحقيقة الظاهرة وأبعادها، فالفقر ما فتئ أن يصل إلى فئات اجتماعية كانت إلى عهد قريب بعيد ة نسبيا عنه ونسبة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر حسب تحديد المنظمة العالمية للتغذية في توسيع مستمر والمعضلات الاجتماعية التي كانت تعتقد أنها في مأمن وتفكك اجتماعي وبطالة وأمية أصبحت تهدد حتى الشرائح الاجتماعية، كل هذا يضيف شعباني يقوي من حدة هذه الظاهرة ويوسع من نسبتها، إذ أن أكثر الفئات عرضة لهذا التهديد أطفال هوامش المدن وأبناء الأحياء الهامشية ومن لم يكن له نصيب من التوجيه والرعاية اللازمة أو ممن رماهم القدر في أسر متفككة بالطلاق أو الانفصال أو الهجران…
أشم "السيلسيون" لنسياني معاناتي
استلقى رضى البالغ من العمر 20 سنة على ظهره فوق العشب، ومد يده إلى جيبه فأخرج لصاق "السيلسيون" وضع شيئا منه في البلاستيك فوضعها على أنفه، اقتربنا منه وهو في وضعية تقشعر لها الأبدان: رائحته كريهة، ملابسه متسخة يحك جسمه ووجهه وشعره في آن واحد يقول رضى: أتعاطى "السيلسيون" وأشرب الخمر، إذا جاد علي به أولئك الجالسون هناك، في إشارة بأصبعه لمجموعة من رجال كانوا يجلسون على بعد أمتار.
يستأنف رضى حديثه: أبي كان مدمنا على الخمر.. كان يضربني وأمي لأتفه الأسباب عندما يفقد وعيه.. سئمت العيش في هذا الوضع واخترت العيش في الشارع بعيدا عنه حتى أسلم من أذاه بعد أن تزوج من أخرى وتركنا من دون معيل.. وبنبرة فيها استياء على وضع محملا مسؤوليته للأسرته والمجتمع: " ما ذنبي أنا، لما كبرت ووجدت أبي وأمي يعيشان في المشاكل وأنا الآن أدفع ثمن ما جناه علي أبي؛ أبيت في الشارع اضطر للتسول..استدرك رضا: " أنا أعيش في الشارع منذ أن كان عمري 14 سنة.." وبعينين يملؤهما الحزن والأسى والكآبة: في بعض الأحيان يشدني الحنين إلى أمي وإخوتي، لكن أخجل من أن تراني أمي بهذه الحال، حينها أعمد إلى شم "السيلسيون"، أو تناول "الحشيش" كي أنسى.
غادرنا رضى وتركناه لوحده مستلقيا يشم السيلسيون في محاولة منه لنسيان مأساته وجرحه الغائر الذي تذكره حين حديثه معنا.
كانت هذه حالات لأطفال اضطرتهم الظروف إلى الخروج إلى الشارع وما "علي" وسعيد الملقب ب"لوقيدة" ورضى إلا نماذج لأطفال ربما اختاروا العيش على الهامش هروبا من واقع مر ليجدوا واقعا أمر من ذلك الذي كانوا يعيشونه قبلا، جرفهم التيار وساروا فيه من دون أن يعرفوا إلى أي وجهة هم متجهون.. لكن أكيد أنهم غير راضون عن هذا الوضع، لأنهم عاشوا طفولة مختلفة بدون رقيب يوجههم ويعرفهم الخطأ من الصحيح.
وفي هذا الباب يؤكد علي شعباني استاذ علم الإجتما على أنه لابد من تفعيل عمليات التضامن والتكافل الاجتماعي، لأن الأمر لا يتوقف على سياسة ما ينبغي أن يكون، بل على الإدراك الجيد للظاهرة والتدخل الفاعل والمؤثر وذلك بالتصدي إليها، لأن الأمر لا يتوقف على العلاج بقدر ما يتوقف على الوقاية وقطع كل الجذور التي تغذي هذه الظاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























