قرية دار بوعزة للأطفال
كتبهاحنان حارث ، في 16 يونيو 2006 الساعة: 15:47 م
آنسات لكنهن أمهات
فضلن عدم الزواج للتكفل بأطفال متخلى عنهم
أمهات وخالات "بديلات" مهمتهن تعويض حنان الأم
قاسوا كثيرا وتجرعوا طعم المرارة ، وهو لا زالوا صغارا؛ آباءهم استسلموا في لحظة ضعف لغرائزهم.. تخلى الأب عن الأم.. فلم تستطع تحمل نظرة المجتمع للأم العازبة.. فاختارت أن ترمي بفلذة كبدها في الشارع..
أطفال نشأوا بعيدا عن المحيط الأسري.. افتقدوا حضن الأم… لم يستمتعوا بقبلتها ولم يعرفوا أبدا طعم لبن ثدييها … أو الدفء الأسري، فأصبح كل ما هو متاح لغيرهم محرم عليهم..كبروا والأحلام تطاردهم… يحلمون بغد أفضل وبلقمة وملابس جديدة لعيد يسمعون أنه يأتي، ولكنهم لم يشعروا أبدا ببهجته يوما، منهم من عاشوا جل طفولتهم في الشارع.. كلما رأوا طفلا بين أحضان أولياء أمورهم إلا وتولد لديهم الحنين إلى الدفء العائلي .. ومنهم من ابتسم له الحظ قليلا فعاشوا بين أسوار الخيرية.. ومع ذلك فالبسمة لم تعرف طريقا إلى أفواههم..ظلوا فاقدي الإحساس بالجو العائلي كلما خلوا بأنفسهم إلا ويعانون الأمرين كونهم افتقدوا حنان الأم الذي يحتاجه كل طفل كي يعيش حياة أسرية هادئة.
من هنا جاءت فكرة " قرى الأطفال" و"الأمهات البديلات" رسالتهن في الحياة أن يمسحن دموع الأطفال المتخلى عنهم ويعوضنهم حضن الأم.
هن آنسات لم يسعفهن الحظ في الزواج .. فوهبن حياتهن لأطفال حرموا الدفء الأسري .. منحوهم حنانا زائدا.. فصرن مثل أمهاتهم.. يفخرن على أنهن استطعن أن يسعدن أطفالا لا ذنب لهم سوى أن آباءهم تخلوا عنهم.. يؤمن بأن الأم ليست من تلد وإنما من تسهر على تربية الأبناء..
فبدافع غريزة الأمومة جعلن أنفسهن رهن إشارة هؤلاء الأطفال فمنحوهم الحنان والعطف باختصار منحوهم قلبا مفعما بالمشاعر ودفئا عائليا لا يمكن تعويضه.
" قرية الأطفال" في دار بوعزة
كانت وجهتنا إلى "قرية الأطفال" في دار بوعزة التي تبعد بضعة كيلومترات عن الدار البيضاء، هذه القرية تضم عددا من الأطفال المتخلى عنهم، الهدف من إنشاء هذه الدار ليس توفير المأكل والملبس فقط وإنما جوا أسريا يعيش فيه الطفل من دون أن يحس على أنه غريب.. يشترط في "الأمهات البديلات" أن لا يكن متزوجات وأن يقمن بصفة مستمرة في الدار مع الأطفال الذين يتبنونهم.. فلكل أم نحو تسعة أطفال من مختلف الأعمار تسهر على تربيتهم..
ارتأينا أن تقترب من هؤلاء "الأمهات الآنسات" لمعرفة كيف يشعرن مع أطفال بالرغم من أنهن لم يلدنهم، ولمعرفة إلى أي حد تساهم هذه التجربة في الحد من أطفال الشوارع واللقطاء..
عندما تدخل إلى"قرية الأطفال" في دار بوعزة قد تختلط عليك الأمور.. وتظن أن من يعيش فيها تربط بينهم آصرة القرابة وأن هؤلاء الأطفال ليسوا لقطاء أو أطفال شوارع.. وأن من تعتني بهم حقا أمهاتهم..
هم أبنائي بالرغم من أني لم أنجبهم:
زهرة "أم بديلة" بوجهها البشوش بدأت في سرد تجربتها داخل قرية الأطفال فقالت: ليس من المعقول أن نأخذ الأطفال المتخلى عنهم بذنب آبائهم.. ما أن أخذت قراري في الالتحاق بالقرية أيقنت أنه علي أن أكون أما حقيقية لهؤلاء الأطفال وبالفعل ما أن رأيتهم وعاشرتهم بدأت أحس بغريزة الأمومة تجاههم، بالرغم من أنى لم أجربها قبلا.. فأنالا زلت آنسة وأعتبر هؤلاء الأطفال أبنائي وكأني أنا من أنجبتهم…فإن حدث لأحدهم سوء فإن النوم يجافيني، وإن مرضوا فإنه لا يهنأ لي بال حتى يشفوا.. وتضيف زهرة: طوال المدة التي تكلفت فيها برعاية الأطفال أحاول أن أمنحهم حنانا زائدا كي أعوضهم عن حنان الأم الذي افتقدوه لأن التعامل معهم بحنان يمنحهم الدفء العائلي، وتستدرك : أبنائي.. لعبوا دورا في حياتي وجعلوني أحس بأني أمهم الحقيقية من خلال تعلقهم الشديد بي.. وبالتالي لم أبخل عليهم بعطفي ولهذا فإني أحاول أن أدمجهم في المحيط الخارجي من خلال القيام بعدة رحلات أو زيارات خارج القرية.. وتسترسل زهرة في حديثها: أشعر بسعادة كبيرة حينما أزور أهلي أثناء العطلة الصيفية صحبة أطفالي الصغار وهم بالمثل يعتبرونهم مثل أبناء لي ويحسسوهم أنهم ينتمون إلى الأسرة.
تركت التدريس ولبيت نداء الأمومة
كانت تجلس في الخارج برفقة ابنها عمر تنظر إليه وهو يلعب أمامها فكاد أن يسقط أرضا فقفزت الزوهرة وبحركة سريعة حملته بين ذراعيها . فقالت " الله معاك أوليدي" .. بمجرد ما تنظر إلى وجه عمر ترى البسمة تطارد محياه وبكلامه غير المفهوم تستطيع أن تلتقط كلمة "ماما "..
أرسل عمر ضحكة طويلة عبرت عن حب عميق بين أم وابنها اقتربنا منها فبدأت زهرة بالحكي: شعرت بغريزة الأمومة منذ أن كان عمري 18 سنة ورغم أني كنت أدرس في إحدى الثانويات تركت كل شيء وراء ظهري لألبي نداء الأمومة واليوم أنا أم لتسعة أطفال أعاملهم مثل أم حقيقية وأعيش معهم في بيت واحد.
وتضيف أقوم بما يمليه علي ضميري فأقوم بكل ما يحتاجه أبنائي .. كلما رددوا كلمة "ماما" أشعر بالسعادة إذ أحاول قدر المستطاع أن أجعل أبنائي يعيشون في جو عائلي سعيد..
وبإشارة من أصبعها إلى عمر قالت: أشعر بعمر وكأنه ابني الذي أنجبته فقد سهرت على تربيته منذ أن كان صغيرا.. آنذاك لم يكن يتعدى خمسة عشر يوما إذ لا زلت أذكر اليوم حين أتى إلى القرية وكان في حالة صحية يرثى لها شعرت بحنان يجذبني إليه فقمت برعايته وفرت له كل شيء ليشعر بأني أمه وبالفعل وفقني الله وصار يناديني ب"ماما" وهاهو يبلغ سنة ونصف.. وتضيف: لا أفكر في الزواج إطلاقا فكل ما أتمناه منحه لي الله وليس لي النية في التضحية مقابل الزواج .
لا أؤدي وظيفة بل رسالة
خديجة لم يسبق لها الزواج، فاختارت أن تهب وقتها لهؤلاء الأطفال الذين شعرت أنهم بحاجة إلى الحنان .. تركت أسرتها واختصرت المسافات ليصبح لها أبناء.. صحيح أنهم ليسوا من صلبها لكنها مع هذا تشعر أنهم مثل أبنائها، فهي تقول: أن الأم ليست من تنجب وإنما التي تربي.. تضيف: لقد استطعت - والحمد لله- أن أجعل هؤلاء الأطفال يعيشون في جو أسري لا أبخل عليهم بشيء.. أريهم الصحيح من الخطإ .. أحاول أن أفهمهم أن الحياة جدير بنا أن نعيشها لكن في حدود المعقول كي لا نقع في المحظور.. أحاول أن أرسخ لديهم أنه كل ما يفعل في الخفاء هو عيب.. كي لا يكرروا أخطاء آبائهم..فأنا أشعر برفقة أبنائي أني أعيش حياتي العادية التي كان من المفروض أن أعيشها.. فأي أم ما تطلبه من الدنيا أن ترزق بأولاد وأن تراهم في أحسن الأحوال.. وهذا ما أصبوا إليه، إذ أراهن على أن أجعل منهم رجالا ونساء أفخر بهم في المستقبل.. وتضيف خديجة قائلة: رغم أنني بعيد ة عن أسرتي إلا أني أشعر وكأني مع عائلتي الحقيقية فالأمر لا يختلف عن غيري من الأمهات في الدار.. أطفالي الصغار أعادوا في الروح وجعلوني أحب الحياة فأحسني مثل طائر يطير في السماء…
لم أتزوج لكن الله عوضني من حيث لا أدري.. وتضيف: صحيح أني آنسة ولم أنجب هؤلاء الأطفال إلا أنني أشعر بالفعل وكأنهم أطفالي ..لا أحس أني أمتهن وظيفة أتقاضى عليها مبلغا ماديا.. بل أقوم برسالة وعمل إنساني نبيل.. فمنذ أن ولجت القرية وهبت نفسي لرعاية الأطفال وحل المشاكل التي تواجههم سواء أكانت نفسية أو اجتماعية فحاولت قدر جهدي أن أوفر لهم الوضع الطبيعي للأسرة.. وتسترسل في الحديث: أكبر أطفالي يبلغ من العمر 12 سنة وأصغرهم ثلاث سنوات.لقد وضعت نفسي رهن إشارة الأطفال الذين أحببتهم من كل قلبي ولست مستعدة للزواج حتى وإن أتيحت لي الفرصة .
إذا كانت فكرة الأمهات البديلات فكرة جيدة لجعل الطفل المتخلى عنه يعيش في جو عائلي وحتى لا يكبر ولديه حرمان عاطفي، فإن الدار ارتأت أن تجعله يعيش في جو أسري، فجاءت أيضا فكرة "الخالات البديلات" حيث يقطن في دار منفصلة؛ مهمتهن الاعتناء بالأطفال في حال غياب "الأمهات البديلات" دورهن لا يقل عن دور الأمهات ..فتيات بالرغم من صغر سنهن إلا أنهن يفضن حنانا، أملهن أن يسعدن هؤلاء البراعم ويجعلن منهم رجالا وكذا أمهات يفتخرن بأنفسهن في المستقبل ليواجهوا الحياة بكل صعابها.
قالت عائشة: لأنه ليس لي أبناء أخت فضلت أن أكون خالة لأطفال حرموا من الأسرة.. وتضيف: أردت العيش في هذا الفضاء مع هؤلاء الصغار لأحس بطعم كلمة "خالتي".. لهذا أقوم برعايتهم حينما تكون أمهاتهم منشغلات في بعض الأمور فأهب الأطفال كل وقتي ولا أبخل عليهم بأي شيء وتضيف كل أطفال القرية تربطني بهم علاقة حب وحنان ألمسها من خلال المعاملة الطيبة المتبادلة بيننا.
وتسترسل: طوال اليوم أشرف على نظام حياتهم اليومية فأتولى رعايتهم كي أوفر لهم حياة طبيعية ليشعروا بأنهم في وسط عائلي تسود فيه الألفة والسعادة .. وفي الأعياد تقوم الأمهات بشراء ملابس جديدة لأطفالهم وفي عيد الأضحى تتم شراء الأضحية لكي يشعر الكل أنهم يشكلون أسرة حقيقية.
ليلى هي الأخرى "خالة بديلة" تقول عن سر اختيارها لأن تكون كذلك، لأنها تعتبر الخالة لها دور كبير في الوسط الأسري، حيث تضيف: هي تعتني بجميع أفراد الأسرة، ومن هنا جاء اختياري لأن أصبح خالة مسؤولة على كل الأطفال.. ولأني أحب هذا العالم فضلت أن أمنح هؤلاء البراعم كل ما عندي من حنان وأجعلهم يشعرون بالسعادة.. وتضيف وبالمقابل لا أستطيع أن أصف لكم فرحتي عندما يناديني أحدهم بخالتي أحبهم من كل قلبي وأتمنى لهم الخير والسعادة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 28th, 2007 at 28 فبراير 2007 2:06 م
رائع
أبريل 25th, 2007 at 25 أبريل 2007 12:35 ص
موضوع جدير بالإهتمام والمتابعة.أسلوب رائع ولغة متينة.
مزيدا من التوفيق.