جحود الأبناء

كتبهاحنان حارث ، في 12 يناير 2007 الساعة: 07:01 ص

"من هو مسخوط الوالدين".. في الأسرة المغربية
أبناء يساعدون آباءهم ماديا " باش يكونوا مرضيين"
 
 "مسخوط الوالدين".. في المفهوم المغربي تعني الشخص العاق.. الذي ضرب عرض الحائط بكل المبادئ والأخلاق .. الذي يسب ويلعن اليوم الذي أنجبه فيه والديه … وقد ينهال عليهما بالضرب غير مراعيا أن هذين الأبوين كانا سببا في مجيئه إلى الحياة.. "فالمسخوط" ينسى في لحظة أن "الجنة تحت أقدام الأمهات".. ويتناسى كذلك أن الله تعالى قال في كتابه العزيز" إخفض لهما جناح الذل من الرحمة".. لكن مع هذا هل يمكن أن ندرج في خانة "مسخوط الوالدين" ذلك الابن الذي يرفض مد يد المساعدة لأبويه بعد الزواج… وذلك الذي يرفض الإقتران بمن اختارتها له أمه .. ويتم تخييره بين "الرضى" و"السخط" إن لم يفعل .. أم هو ذلك الذي يعيش رفقة والديه في بيت واحد وتخيره زوجته العزل عن أمه أو تطليقها..
من خلال هذا التحقيق الذي سندرجه في حلقات سنحاول التعرض لبعض هذه الجوانب.. إذ ستكون لنا لقاءات مع أمهات وآباء وأبناء كل يسرد قصته من وجهة نظره ويعرف "مسخوط الوالدين" كما يراه .. بالإضافة إلى ذلك سنقوم بعرض الموضوع على أساتذة في علم الاجتماع ،النفس والدين للإدلاء بآرائهم فيه حتى نحيطه من كل الجوانب.
 
 بعض الآباء على الرغم من أنهم يكونون ميسورين " وما خاصهم حتى خير " إلا أنهم يحتاجون إلى الشعور أن لهم اهتماما خاصا عند أبنائهم.. يحتاجون من حين لآخر مساعدتهم المادية .. حتى يتمتع أبناءهم بالرضى طوال حياتهم " وما يهزوش دعاوي البلا" إن فكروا في يوم ما منع تلك المساعدة المادية..  
 
تقول أمي "عايدة" قدمت لهما كل شيء وحرموني من كل شيء!!حرموني الشعور بحنانهم.. فبعد أن كبروا ذهب كل واحد إلى بناء حياته بعيدا عني..لا ألوم ابنتي الصغرى التي لم تفكر يوما بمساعدتي ماديا ..لأن زوجها يبقى غريبا عني.. فهي تفعل كل ما تقدر عليه.. حينما أريد الذهاب إلى المستشفى.. تترك بيتها وتذهب معي على الرغم من أن زوجها في كثير من المرات يتذمر من تركها لأبنائها لوحدهم..
لكني أؤاخذ ابني البكر والأوسط الذي يوجد في الديار الفرنسية.. الذي تنكر لي.. فهو يأتي لزيارتي كما لو كان ضيفا .. ولا يكلف نفسه مساعدتي ماديا بالرغم من أني أدري "أنه ما خاصوا حتى خير"..
أما ابني البكر فهو الآخر دائم الشكوى من أن حاجيات زوجته وأبنائه تكثر يوما بعد يوم ولا يبقى له من راتبه الشهري إلا النزر القليل الذي يكفيه بقية الشهر.. فأنا لا أعترض على ما ابتلاني به الله، فهو امتحان لي وأنا على قيد الحياة..فأنا مصابة منذ سنتين بداء القصور الكلوي مما استدعى
مني إجراء عملية تغيير الدم كل أسبوع..
عندما اكتشف دائي لم أكن أحتاج لمساعدة أحد من أبنائي.. فلله الحمد لي إرث.. لكن المال ينفذ حتى لو كان لك منه جبل.. فخلال كل أسبوع مطلوب مني إجراء عملية تغيير الدم بمقابل 1000 درهم..
عندما أجلس مع نفسي أقول: إني في حاجة إلى أن أحس أن أبنائي يهتمون بي..وأن أشعر أنهم يودون مساعدتي وتكبد العناء من أجلي.. يبذلون الغالي والنفيس من أجل إرضائي..فأنا اليوم بينهم ولا يعلمون ماذا سيأتي به الغد.. 
أما "أمي الحاجة" فهي تقول "بعدما ربيتو وخسرت عليه دم جوفي.. ومسك عليه الله نساني .. بالحق ماشي منو" .. تعود "أمي الحاجة" لتسرد قصتها منذ بدايتها.. لقد كنت له الأب والأم في الآن نفسه بعدما توفي والده وتركه "لحمة حمرة" ومنذ ذلك الحين وأنا أفعل المستحيل من أجل تربيته أحسن تربية..
كبر ابني وكنت أتمنى من كل قلبي أنه سيبر بي .. لكن ما حدث كان غير متوقع..فبمجرد ما تزوج اختار العيش وحده.. لم يعد كما كان في السابق.. إذ بمجرد إنجابه لابنه الأول امتنع عن مدي بالمبلغ الذي كان يعطيه لي شهريا..استفسرت عن سبب عدم استمراره في منحه لي: فقال لي لقد أصبحت لي مسؤوليات أكبر..حينها شعرت بالغبن وقلت في نفسي كيف يعقل هذا.. بعدما وصل إلى هذا المستوى وصار محاميا يتباهى بنفسه أمام أقرانه.. أن يمتنع عن مساعدتي ماديا .. فهل ربيته وجعلته رجلا لكي يتركني بهذه السهولة؟ من دون أن يحسسني أني منه ولي حقوق عليه أهكذا يكون الجزاء والاعتراف بالجميل ..
 
عبد الله طبيب اختصاصي في أمراض الجهاز التنفسي يقول: لا يمكنني أن أتصور أن يأتي علي يوم وأمتنع عن مساعدتي لأبوي فبالرغم من أن لأبي معاشا.. إلا أني ألفت منذ أن ولجت عالم الطب واشتغلت وأنا أساعده.. أمنحه بعض المال.. وكم أكون سعيدا عندما أعطيه المبلغ خلال كل نهاية شهر . إذ ألمح الفرح في عينيه.. فبمجرد ما يمد يده ليأخذ المبلغ يتبعها بكلمة " الله يرضي عليك"..
أما سعيد فهو يقول: لم أكن أتصور أن تقوم زوجتي بعد هذه السنين وتطلب مني طلبا غريبا.. فمنذ أن قررت الزواج بها أخبرتها الحقيقة .. لقد قلت لها إني المعيل الوحيد لأمي وأختي وأخي الصغيرين.. وإني سأظل أساعدهم ما دامت أمي على قيد الحياة وماداموا يحتاجون إلي.. وافقت على هذا الأمر ولم تعترض على أي شيء .. تزوجت بها.. وكان "أسعد" ثمرة هذا الزواج .. ولدرء المشاكل اخترت أن أكتري لأمي بيتا يتكون من غرفتين .. وصرت أزورها كل أسبوع.. لقضاء كل حاجياتها .. وخلال نهاية كل شهر كنت آتي لتأدية أجرة الكراء لصاحب البيت ..
استمر الحال على ما عليه نحو العامين .. ولم تكن هناك أية مشاكل ..
 لكن المشكلة..التي صارت تؤرقني خلال الآونة الأخيرة.. والتي استدعت مني مراجعة أوراق حياتي أن زوجتي للأسف صارت تعترض على ما أقوم به اتجاه أمي وإخواني..تقول لي خلال كل نهاية شهر إني غير ملزم بتغطية مصاريف أمي .. إذ كانت تقترح أن يتخلى أخي عن دراسته ويدخل إلى ميدان العمل . لكن هذا ما لم أكن أوافق عليه.. كنت كلما فتحت هذا الموضوع إلا وأقول لها إن هذا لن يحدث أبدا .. لكن إلحاحها كان يزداد كل يوم .. ولما رأيتها لن تطوي هذه الصفحة.. ارتأيت أن أضحي بابني .. وأطلقها على أن أتكفل بكل مصاريفها من نفقة وغيره.
 وهكذا حدث أبغض الحلال عند الله.. فمن أجل راحة أمي أضحي بكل شيء فالإخلال بأي واجب نحوها قد يسقطني في دائرة "السخط"..
 
على الرغم من زواجي..إلا أني استمريت في مساعدة والدي.. فقد كان ذلك شرطهما منذ أن كنت أدرس..بأنه بمجرد ما أحصل على عمل أبدأ في مساعدتهم ماديا.. وحتى عندما تزوجت استمرت هذه العادة .. فلله الحمد أن زوجتي " بنت الناس" فهي تشجعني على ذلك .. ولا ترى مانعا في مساعدتهما ..لهذا فأنا أبدا لا أتصور أنه سيأتي يوم علي وأمتنع عن مساعدتي لهما .. ولكي أضمن أن يبر بي أبنائي أنا كذلك نهجت أسلوبا ذكيا نوعا ما .. إذ كلما أريد أن أمنحهم بعض المال..أصطحب معي ابني.. وأدعه يراني وأنا أقبل يدي أمي وأبي وأمنحهم الهدايا والمال على مرآى من عينيه.. حتى صار ذلك عادة لديه هو أيضا .. إذ صرت كلما ولجت إلى أحد المتاجر لابتياع بعض الأغراض للبيت يصر ابني أن أشتري بعض الهدايا لجديه من اختياره هو .. ابني اليوم لا يدرك ما أربيه عليه الآن لكن حتما عندما سيكبر سيعرف ماذا يتوجب عليه فعله لي.. فما أقوم به يدخل في إطار التربية وتأكيد الترابط الأسري بين أفراد الأسرة الواحدة ….وكل شيء يراني أفعله الآن سيشب عليه..فإذا ما كان الأب يخل بجانب من الجوانب في علاقته بوالديه .. ويمارس العقوق أمام أبنائه قد يكون ذلك بمثابة نموذج  إليهم.. فكل الخوف في المستقبل أن يصبح الأبناء الذين يمارسون الجفوة أو أي شيء من هذا القبيل أمام أبنائهم أن يمارسوا ذلك في حقهم مستقبلا..
 
 
هالسخط هالرضى".. "لما تزوج باللي اختاريت ليك"
 
من المعروف أن الزواج لا يمكن أن يكتمل إلا إذا كان هناك قبولا متبادلا من طرف الزوج والزوجة.. فلا يمكن أن يحدث والطرفان معا لا يرغبان في بعضهما البعض..لأن الأمر إن تم بهذه الصيغة..وخُيٌٍر الآباء أبناءهم بين "الرضى" و"السخط" إن لم يتزوجوا بمن اختاروه لهم .. فقد يحكم على هذا الزواج بالفشل..حتى إن أدعن الابن أو الابنة لرغبة أهاليهم..وحتى إن عاش الزوجان تحت سقف واحد فلابد أن يشعر طرف ما أنه ظلم جراء تحكم الأب أو الأم في مصير حياته وأن الأمر تم تحت الإكراه..
هذا ما اكتشفناه من خلال أصحاب هذه التجارب فهم يؤكدون على أن مثل هذه الزيجات تكون في غير مصلحتهم.. لكنهم يشيرون أن الأمر عندما يتعلق بالسخط والرضى لا يعرفون ما يفعلون..لكن مع هذا يقبلون بمن فُرض عليهم حتى يتمتعوا دائما برضى والديهم ولا يتحولوا إلى "مساخيط".. فهذا حال العديدين الذين التقيناهم و سردوا لنا كيف أنهم قبلوا بالزواج ليس لمجرد الحب وإنشاء أسرة سعيدة،بل إرضاء لآبائهم الذين فرضوا عليهم الارتباط بمن لا يرغبون به..وكيف تحولت حياتهم إلى جحيم..
 
"باش نكون مرضي" تزوجت بابنة خالتي:
 بدأ عمر حديثه بالقول الله يسمح لأمي رحمها الله.. بالرغم من أني شعرت آنذاك أنها قد جنت علي عندما أجبرتني على الزواج بابنة أختها إلا أني لا أؤاخذها على ذلك .. فهي كانت تريد فقط الاطمئنان على ابنة أختها التي توفيت أمها وتركتها من دون أن تطمئن عليها في بيت الزوجية.."كانت أمي هازة ليها الهم .." إذ كانت في كل زيارة لنا تقول لها أمي: إنها تأمل أن تراها في بيت زوجها معززة ومكرمة حتى تطمئن عليها قبل وفاتها .. فكانت تجيبها " دابا يحن الله" وكانت تخبرها أمي :"راه داك النهار قريب " كان هذا الحديث يتم على مسمع من أذني.. ولم أكن أعرف أن أمي تخطط إلى أن تجعلني أطلب يدها في أقرب الآجال.. إلى أن أتى ذلك اليوم وسألتني أمي :هل اقترب موعد ارتباطي؟ فضحكت وقلت لها يبدو أن الوقت قد حان..فقالت بلهفة : هي "باغيني نختارليك" فقلت لها مطمئنا " غير تهناي راني حاط عيني.. فقاطعتني قائلة:" أحياني عليك ..كنت تنقول راك ما تتفكرش في الزواج دابا" ولما رأيتها متحمسة للموضوع قلت له: إني أريد الزواج من زميلة لي في العمل..سأحدد معها يوما لزيارة أهلها وبعدها نذهب إليهم جميعا.. 
لم أكن أتصور أن تكون ردة فعل أمي هكذا .. إذ بمجرد ما سمعت كلماتي حتى نهضت من مكانها ونادت على والدي وقالت له " آجي تسمع الدري آش تيقول.. حنا شحال هادي وتنخطوا وهو شايف شوفة أخرى"..
 لم أفهم من كلماتها شيئا لكن بعد الأخذ والرد أعلنت لي عن رغبتها في الاقتران بابنة خالتي .. فقلت لها في الحال أني أعتبرها مثل أختي.. فقالت لي "ماشي مشكلة".. المهم أنها حلال عليك..
لم أستسغ الفكرة ونهضت من مكاني متجها إلى الخارج،لكن ما تلفظت به جعلني أغير خططي إذ قالت:" ها السخط ها الرضى إلا ما تزوجتيش بحليمة" وإن فكرت الزواج "باللي في بالك كون على علم أني ماغداش نمشي معاك تخطبها وما نحضرش لعرسك".. انتابني غضب.. ولم أعرف ماذا أقول لكني أغلقت الباب ورائي وخرجت..
إصرار أمي وتخييرها لي بين "السخط والرضا" جعلني أقبل بما أرادت .. وهكذا تزوجت من دون حب فقد كان هدفي أن أرضي أمي حتى لا تشعر أني خالفتها..
 بعد أن تم هذا الزواج الذي كان فقط إرضاء لأمي وحتى لا تردد في كل مناسبة أني "مسخوط".. أبدا لم أشعر بالسعادة.. إذ كنت كلما رأيت زميلتي التي كنت أريدها زوجة لي أحس بظلم أمي لي..فلكي تضمن عريسا لابنة أختها أجبرتني على الزواج بها غير مراعية لرغبتي.. جعلتني بين نارين إما القبول أو أن أصبح "مسخوط" في نظرها..فأنا كنت أعتبر ابنة خالتي مثل أختي لا حبيبة وشريكة لي في الحياة .. وعلى الرغم من عدم وجود الحب بيننا تزوجت منها.
حاولت إقناع نفسي أني سأتأقلم مع الوضع مع مرور الأيام وسأتقبل الفكرة ..لكن طفت عدة مشاكل جعلتني أفكر في فسخ هذا الزواج ..و كانت في كل مرة تتدخل أمي لتهدئ من روعي وتقول لي مهما كان الأمر فهي تبقى ابنة خالتك.. "وعمر الظفر ما يطلع من اللحم".
 استمر الوضع هكذا، لكن أبدا لم ينصلح الأمر وبعد أشهر من وفاة أمي قررت وابنة خالتي أن الطلاق سيكون هو الحل مادامت مشاكلنا لا تنتهي .. فمادام الله لم ينعم علينا بنعمة الأولاد فأكيد أن الطلاق سيكون أفضل لكلينا وهكذا حدث أبغض الحلال عند الله .. لكن كان ذلك بعد زواج من كنت أريدها أن تشاركني حياتي.
 
" رضيت با" وعشت في الذل:
أما أمينة فهي تقول لقد جنى علي والدي لما حكم رأيه وقال لي: "إلى ما تزوجتيش بولد صاحبي راني مبري منك.. وعمرك ما تقولي لي
با"،حينها فقط لم أعرف ماذا أفعل.. فأنا كنت على علاقة بشاب وقد وعدني بالزواج حالما تتحسن ظروفه. ولما رأيت أبي يلح علي.. قلت له: إن شابا يشتغل معي وقد عدني بالزواج وهو سيتقدم إلى طلب يدي في أول فرصة تسنح له .. لكن أبي لم يعر نفسه عناء الاستماع إلي.. فما كان مني إلا الاستسلام لرغبته وقبلت بمن أراده لي زوجا رغما عني .
لكن ما حدث أني في فترة الخطوبة لاحظت أنه لا يلائمني ليس شكلا فقط بل حتى مضمونا.. تفكيره يختلف عني تماما.. كما أنه أقل مستوى مني في الدراسة فهو لم يكمل تعليمه.. بينما أنا حاصلة على الإجازة.. ولكن مع هذا لم يكن من حقي الرفض.
مر على زواجنا سنتين وفي كل مرة أكتشف عيبا من عيوبه وبالرغم من أني حامل منه الآن.. إلا أنه خلال كل مشكلة أقول"الله يسمح لأبي هو اللي كان سبابي في هاد الكية.."
لقد عرفت منذ أول ليلة لي معه أنه لن يصلح لي زوجا وأني لن أعمر معه طويلا.. المشاكل بيني وبينه تزداد يوما بعد يوم .. وكلما فعل شيئا مشينا في حقي إلا وتذكرت والدي الذي أرغمني على الزواج منه .. لكن ما العمل فلكي أكون "مرضية" تزوجت من دون رغبة مني حتى يبقى أبي "على خاطرو".
 
كلمة "مسخوط" تحيلنا إلى وجود جيلين هما الآباء والأبناء
يرى  الدكتور عبد الجبار شكري باحث في علم النفس الاجتماعي بأن مفهوم "مسخوط الوالدين" يعني دائما هو ذلك الشخص الخارج عن طاعة والديه.. الذي لا يقوم بواجباته نحوهما.. هو الذي يخل بأحد الجوانب.. ويسيء معاملتهما..
ويضيف عبد الجبار شكري أن هذا المفهوم هو الآخر شمله التغيير ف"المسخوط" في نظر الأبوين المغربيين ليس دائما هو ذلك الشخص الذي لم يطع والديه.. وإنما ذلك الشخص الذي قد تضطره ظروف الحياة إلى الامتناع عن مد يد المساعدة لأبويه.. فيما يكون "المرضي" هو ذلك الابن الذي لا يبخل على والديه ماديا حتى وإن أساء معاملتهما..
     ويوضح شكري أن كلمة "مسخوط" تحيلنا إلى وجود جيلين يتمثلان في الآباء والأبنا ء.
 وفي هذا يعود عبد الجبار شكري ليوضح المفهوم الأصلي للكلمة فيقول إن هذه الكلمة تعني بالأساس أن الشخص يمارس عقوقا في حق والديه..كإخلاله بواجب من الواجبات التي أوصى عليها الإسلام..
  ويضيف الدكتور أن عقوق الوالدين بالرغم من كل شيء يبقى حالة شاذة جدا.. فبفعل التغيرات الاجتماعية  هي التي تنشئ الخلل في طبيعة العلاقة التيتربط بين الأبناء وآبائهم..
 فعندما نقارن بين الماضيوالحاضر نجد أن هناك تفاوتاً بين الأجيال حيث إنه في الماضي ..في فترة الستينيات والسبعينيات نجد أن عددا من الأسر المغربية  يعيشون في مسكن واحد ؛الآباء والأبناء والأحفاد.. ومن حق الجار التدخل في أبناء جاره.. وتأنيبهم إن تطلب الأمر ذلك ..
 على عكس ما هو حاصل في وقتنا الحاضر..
فإن كانت الظروف الاجتماعية تحول دون مساعدة الآباء ماديا وتنفيذ آرائهم بكل حذافيرها .. لا ينبغي على الابن تناسى التعامل معهم بالحسنى.. ومن خلال الحالات التي أتيت بها يتوضح أن العديد من الأبناء يعيشون مع آبائهم في بيت واحد لكن مع هذا يعيشون قطيعة .. وبالتالي يغيب الترابط العاطفي..  فالعيش في بيت واحد  يشبه الانفصال وهذا ما يجعلني أتساءل حول هذا الأمر كيف يجرؤ بعض الأبناء على الهجر التام لآبائهم وأمهاتهم؟
إن كان هذا هو السائد ما الأمر الذي سيحدث للجيل الحاضر؟ فكل الخوف أن يصبح الأبناء الذين يمارسونهذا النوع من الجفوة  يمثلون نماذج لأبنائهم وبالتالي المسألةتصبح ليس فقط  نتيجة تغيرات اجتماعية وإنما تصبح نموذجاً  وسمة بارزة في مجتمعنا فهل يمكن أن نصل إلى هذه الدرجة؟
 يضيف الدكتور عبد الجبار شكري أستاذ وباحث في علم النفس الاجتماعي قائلا: إن المغرب كغيره من المجتمعات الأخرى يمر بتغيرات كثيرة جداً وانفتاح على ثقافات متعددة، ومايساعد على ذلك هو وسائل الاتصال الحديثة المتعددة، وفي الوقت نفسه إذا كانت تركيبة المجتمع تركيبة صغيرة.. وبفعل التغيرات  اختلفت عما كانت عليه فالآن  أضحى هذا المجتمع واسعا، حيثأن الأب يسكن في جهة والأبناء في جهة أخرى.
وقبل أن أدخل في هذه القضية أود أن أركزعلى ناحية وهي أنه لا ينبغي لي أن أصور بأن عقوق الوالدين هو السمة السائدة أو أنههو الصفة الغالبة، وأيضاً ينبغي أن ننظر نظرة واقعية حقيقية بأنالجانب الجيد والعلاقات الجيدة ما بين الأبناء والآباء والبر الموجود هو الأول،وينبغي ألاّ يُفهم من  حديثي  بأننا نصوّر الوضع على أنه صورةمتشائمة وسيئة، إذ لا تزال ـ ولله الحمد ـ البيوت مليئة بالآباء والأبناء، ونعت الآباء أبنائهم بالسخط يبقى حالة  شاذة و ليست هي الأصل.
لذلك أقول إن التغيّرات الاجتماعية أخلتبطبيعة العلاقة التي تربط بين الأبناء وآبائهم.. فحسن علاقة الشخصبوالديه إما أن يكون سببه الترابط والتواصل معهما أو يفعل هذا "البر" نتيجة للضغطالاجتماعي لأنه مكشوف أمام الآخرين. أما الآن فالمسألة في عملية التنشئة التي فيهاانفصال نفسي على الرغم من قضاء الشخص فترة من عمره  مع والديه إلا أن  كلاًمنهم يعيش في عالم مختلف، حيث نجد أن الأبناء مع أصدقائهم وأقرانهم والأب مع زملائهوأصحابه، إذن يوجد هناك انفصال فكل هذا يؤثر على الرابط النفسي الذي يربط ما بينالآباء وأبنائهم وقد لا يظهر أثره إلا عندما يصل الوالدان إلى السن التي يحتاجانوقتها إلى الرعاية، وربما الرجل في سن متقدمة وعندما قد تواجهه ذائقة مالية  قد يلجأ إلى زملائه أثناءحاجته لشيء معين ولا يلجأ إلى أبنائه في بعض الأمور، ولكن عندما يصل إلى سنالشيخوخة ويتقدم به العمر فإنه سيجد نفسه في حاجة إلى أبنائه وخلال ذلك تكونالعلاقة العاطفية بينه وبين أولاده ضعيفة ومن هنا سينعكس ذلك على "بر" هؤلاء الأبناءلآبائهم. والجانب الآخر فيما يتعلق بالعلاقة ما بين التغيرات الاجتماعية التي حصلتنجد أن عملية "البر بالوالدين" أصبحت عملية صعبة بسبب تعقّد الحياة، حيث نجد صعوبةعند البعض فعدم استمرار مد يد المساعدة المادية لأبويه نظرا لظروف الحياة .. فالابن تصبح له أسرة خاصة يعمل جاهدا على تحقيق كل ما تحتاجه ..مما يجعله هذا الوضع الجديد يتخلي عن التزاماته نحو أهله .. وقد يمتنع عن مدهم بما ألف أن يمنحه لهم خلال نهاية كل شهر .. مما قد يسقط الابن في موقف محرج فالآباء في بعض الأحيان لا يتفهمون هذا .. ويعتبرون   أن هذا الابن تحول إلى "مسخوط " لأنه لم يعد يساعدهم ماديا..
وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى نرى أن طبيعة المجتمع المغربي تحتم علينا ذلك.. كوننا نعيش تبعية اقتصادية ،حيث إن هناك مصالحمشتركة قوية تجمع بين الأب وابنه؛ مصالح اقتصادية مشتركة بين الاثنين وهناك مصالحنفسية يعتمد الأب فيها على ابنه.. وإذا لم تكن ثمة علاقة عاطفية بين الأب وابنه فقديحصل تفكك في هذه العلاقة وينعت الابن "بالمسخوط" نتيجة عدم مساعدتهم ماديا …
 ويوضح عبد الجبار شكري على أن قضية التنشئة الاجتماعية منذ الصغر.. ضرورية لأنها تؤكد على المعاني الجميلة للحياة الاجتماعية البسيطة وغيرالمعقدة.

أما في حالة فرض الآباء آراءهم على أبنائهم خصوصا فيما يتعلق بتحديد مصير حياتهم.. كوجوب زواج الابن بمن اختارتها له أمه .. وتخييره بين " الرضى والسخط" إن لن ينفذ رغبتهما.. وبالتالي الأبناء يعتبرون أن الأمر له علاقة بالديكتاتورية والسلطة والتحكم في مصيرهم.. ومن هنا يحدث الخلل في هذه العلاقة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “جحود الأبناء”

  1. الابن الدي يكون عاقا لوالديه فجزاؤه عداب الله سبحانه و تعالى

  2. لمادا الابن يكون عاقا لوالديه هل بسبب جهلهم بكل امور الدين …………ياليتنا نستطيع ولو رد جزء من الدي فعلوه من اجلنامن ولادتنا الا ان كبرنا و اصبحنا نعتمد على انفسنا …..ياليت الكل يعرف قيمة الوالدين.

  3. اللهم اجعلنا من البارين والمطيعين لوالديهم اللهم اهدي جميع امة محمد صلى الله عليه و سلم

  4. التربية الحسنة هي تعامل الرجل مع زوجته امام ولدهما لا بنهرها ولا يقلل من شانها يشيد بها وبطبخها ويضحك في وجهها حتي ادا ما وقع خلاف مع الزوحة عليهما ات ينقردان لوحدهما الي غرفة ويتناقشان بهدوؤ حتي لا يعلم الولد الصغير شجارهما .كما ان الاب والام يجب ان لا يتركا ابنهما يعاشر من الاصدقاء الا دوي الاخلاق الحسنة حتي لا تنقل اليه العدوي .في ضل هدا الجو الحسن يكبر فيه الابن تربية حسنة صالحة جو يسوده الحب والاحترام والتقدير .

    اما ان لا يحترم الزوج زوجته فيسبها وينعتها بالكلام الفاحش امام الاولاد ثم ياتي مؤخرا بالليل وبيده ما تبقي من قنينة الخمر ويا مر زوجته الجلوس معه او ان تشرب معه كاسا من الخمر ولما ترفض يضربها ويفيق الاطفال ليتباكو مع امهم فيبدا الاب يضرب الجميع .فيستيقظ الجيران لاصلاح دات البين .ويعاد السناريو كل يوم .فالابناء في هده الحالة لن يبقي لهم الداكرة لمراجعة الدروس بل ينفرون ويكرهون المجتمع ومن لهم بتعليم الاداب والاخلاق وان الجنة تحت اقدام الامهات وان الله اوصي بالولدين خيرا .( ما من مولود يولد علي الفطرة.فابواه يهودانه او ينصرانه فان كانا مسلما فمسام ) وكما جاء في الحديث ايضا ( ادا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاتة صدقة جارية .ابن بار يدعو له .او علم ينتفع به.) كما ان علي الاب ان يصلي في المنزل صلات النوفل ويامر امراته ان تفعل هي ثم ابنهما وليكثر من مصاحبة ابنه الي المسجد ولو مرة في السبوع .(علموا ابناءكم الصلاة لسبع واضروهن لعشر ) حديث .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر