مسنون
كتبهاحنان حارث ، في 14 ديسمبر 2006 الساعة: 10:22 ص
أبناء يطردون آبائهم وأمهاتهم إلى الشارع
"آش ذنبنا حيت ربيناهم وتكرفسنا عليهم"
عندما يجول الشخص ويصول في شوارع الدار البيضاء أو أي مدينة أخرى في النهار أو الليل
حتما يرى مشاهد قد تدمع لها العين.. فهذا رجل مسن لم يعد يجد مسكنا يأويه..
وهذه امرأة توفي عنها زوجها الذي كان يعيلها وطردها مالك المنزل لعدم قدرتها
على أداء أجرة البيت الذي كانت تكتريه ولم تجد ملجأ إلا الشارع ..
أما إذا توقفت لحظة أمام دار للمسنين فستكتشف عالما آخر يضم رجالا ونساء لفظهم أهاليهم
وتناسوهم وتركوا من دون أن يسأل عنهم أحد..ينتظرون ما يجود به المحسنون..
ترى أناس خاصمتهم البسمة .. وكلما عدت بهم إلى ذكرياتهم المؤلمة إلا ودمعت أعينهم..
شاء سوء الحظ وجحود الأبناء أن يكونوا تحت رعاية الآخرين من الأغراب..
وحصلوا على رعايتهم التي افتقدوها من أبنائهم.. عندما تفاتحهم في السبب
الذي جعلهم يكونوا من نزلاء الخيرية يقولون"لم يكن لنا ذنب
سوى أننا تزوجنا وأنجبنا وربينا و تكرفسنا" وفي الأخير تنكر لنا الأبناء..
فلم نجد مكانا غير هذا .. فهو أحسن بكثير من الشارع.
وجع وألم .. ووجوه ينتابها الحزن..رسمت خطوط الزمن فيه.. مرت السنون بسرعة وكبر الأبناء.. وإذا بهم لا يؤدون الرسالة.. متناسين أن للزمن دورته.. وأنه كما "كان لك يوم فاليوم التالي عليك"..وإذا كانت دور المسنين تمتلئ عن آخرها بالعجزة الذين قرر أهاليهم وضع قطيعة بينهم وجلبوهم إلى حيطانها الأربعة ليعيشوا خلف أسوارها من دون أن يسألوا عنهم ..فالشارع هو الآخر يعج بالعديدين الذين لم يجدوا حضنا دافئا بين ذويهم يقيهم قساوة الزمن …
الشارع الملاذ:
عبد الله يبلغ من العمر 66 سنة يتخذ من إحدى الحدائق العمومية مأوى له فهو خلال كل ليل يلجأ إليها لينام على أعشابها ..
يشير بأصبعه إلى الجهة الأخرى فيقول " ذيك العمارة بعد المرات تنبات فيها ملي تتكون تصب الشتا" يقول إن أبناءه بعد أن كبروا وتخرجوا وكل استقل بحياته .. ويضيف صاروا يزورنني وأمهم نهاية كل أسبوع لكن بعد توالي الأيام والسنون أصبحوا يزورننا في مرات متفاوتة إلى أن تحول الأمر إلى عادة و زيارة في كل مناسبة لا تتعدى الساعات.. وبعدها يعتذرون لأن لهم مشاريع أخرى عليهم إتمامها .. وأن "الوقت ما بقاتش تتساعف" ..
شاء القدر أن تتوفى زوجتي .. فاجتمع أبنائي في ليلة وفاتها ..وخصص كل واحد منهم مبلغا وتكلفوا بمصاريف الدفن وما إلى ذلك.. وخلال الشهور الأولى لوفاة زوجتي كانوا من حين لآخر يزورنني … لكن الوحدة قتلتني..ولم أجد بدا من الذهاب إلى ابني البكر.. وقلت له إني مللت العيش لوحدي..
في بادئ الأمر اقترح علي أن أعيش برفقته.. مر شهر وشهران وبدأت ألاحظ بعض التغيرات في تصرفات زوجة ابني .. فهو عندما يكون في البيت تعاملني أفضل معاملة .. ولما يكون في الخارج تبدأ بالصراخ مع أبنائها..
كنت ألاحظ ذلك لكن لم أكن أعير للأمر أهمية لكن بعد ذلك بدأت أرى أنها كلما همت بغسل ملابسي إلا وتبدأ "في النكير" وتقول إنها لم تعد تتحمل هذه الحياة فيكفيها ما هي فيه..
وذات يوم سألتها عن هذا التغير الذي ينتابها كلما يخرج ابني إلى عمله و تبدأ بغسل ملابسي فقالت لي بصريح العبارة ومن دون خجل: إنها ليست ملزمة بالاعتناء بي … فلي ابنة وهي التي من حقها الاهتمام بي وتأخذ بالها مني وليست هي .. حينها فهمت أني غير مرغوب في … وذات مرة نشب بيننا خلاف.. ولما عاد ابني.. لم تدع لي مجالا للحديث معه.. أدخلته مباشرة إلى الغرفة ولم أعرف ما أخبرته به.. ولما خرج.. اشتكيت له من ذلك.. لم يعلق على الأمر وكل ما قاله "يصبح ويفتح".
في الصباح قبل أن يخرج إلى عمله قال لي: في المساء عندما أعود أجدك قد جهزت حالك لأذهب بك إلى منزلك لتفادي المشاكل التي قد تحدث ..فقلت له ما عدت أريد العيش لوحدي فالوحدة صارت تخنقني .. فقال لي والبسمة تعلو فمه " زعما باغي تزوج كولها شحال هذه "..
وفي المساء لما عاد من عمله وجدني في انتظاره وذهب بي إلى البيت وقال لي إنه سيتدبر الأمر ويجلب لي عروسا تؤنس وحدتي .. فرحت لما سمعت كلامه .. ولم يمض على الأمر أسبوعان حتى عقد قراني على امرأة تبلغ من العمر 40سنة..لكن بعد أن عاشرتني خمسة أشهر صارت تتمنى تركي و الرحيل والعودة إلى البادية إلى حيث ذويها.. فهي قالت لي:إنها لم تحسب الزواج بهذا الشكل.. فلها حقوق علي آداؤها من حين لآخر وليست في فترات متباعدة.. وأنها تتمنى من كل قلبها أن تصبح أما.. وهذا الأمر لن يحدث أبدا مادمت أنا زوجها لأني سبق وأجريت عدة عمليات على مستوى المثانة ولما تزوجتها بعد شهرين ذهبت برفقتها إلى الطبيب و أكد لي عدم قدرتي على الإنجاب بسبب العملية التي أجريتها في حياة زوجتي.. وقد صرخت في وجهي قائلة:إنه ما دمت لا أستطيع أن أوفر لها ما تريد علي بتركها..وقد أضافت: إنها ليست على استعداد إلى أن تقوم بمهمة الخادمة فقط..
ولما رأيت إصرارها أخبرت أبنائي فطلقتها .. عاودتني نفس الأحاسيس فقررت هذه المرة أن أذهب إلى ابنتي الصغرى .. ما إن رأتني حتى رحبت بي ..
بت تلك الليلة عندها .. وكنت عازما أن أعيش برفقتها وزوجها " تيحن الله".. لكن بعد أن تعشينا وذهبت إلى غرفة نومها .. وتركتني أنام في الصالة سمعت صوت زوجها يقول: "فين باغي يبات جوج حيوط راهم محسوبين غادي يشد لي الصالة.. وإلى جا شي واحد فين يجلس".. لما سمعت حديثه عقدت العزم أن أذهب في الصباح الباكر. فكرت في طريقي أن أعرج على ابني الأوسط لكني عرفت أنه لن يتقبل فكرة العيش معه..
وبدل أن أعود إلى بيتي.. قلت مادام أبنائي ولا أزواجهم يريدونني.. لم أعود إلى بيتي؟ لكي أظل مسجونا فيه ولا يزورني أحد.. ومنذ ذلك الحين قررت عدم العودة والبقاء هائما في الشارع.. ويضيف لقد فكرت غير ما مرة أن أذهب إلى دار للعجزة لكني كنت أقول لا، لا أريد أن يسجل اسمي في سجلات رسمية فقد يعلم أبنائي أو أحد من معارفهم .. فيعرفون أنهم"سمحو في" ويؤثر ذلك على سمعتهم..وهذا طبعا ما لا أريده.
أما "لالة زهرة" فهي الأخرى تعاني الأمرين من خلال مكوثها في الشارع.. فظروفها كانت أقوى من أن تجعلها تتحمل العيش مع ابن جاحد.. تقول: بالرغم من إنه ليس من صلبي إلا أني اعتبره كذلك.. توفيت أمه وهو ابن خمسة شهور وتزوج بي والده… وربيته في صغره.. كان يناديني بأمي لكن بعد أن كبر لم أعرف من أخبره أني لست بأمه .. حيث أتى ذلك اليوم وهو يقول لي إنه يريد أن يعرف الحقيقة.. فقرر والده إخباره وقد أراه " لحالة المدينة" وأطلعه على اسم أمه الحقيقية … لكن مع هذا "ربيت عليه الكبدة" واعتبرته مثل ابني.. فلقد عوضني الله من حيث لا أدري فهو خلقني عاقر لكنه منحني ابنا.
كبر ابن ضرتي بسرعة .. وتغيرت الحياة.. زوجي توفي ولم يترك لنا شيئا فهو كان يبيع الخضر في السوق ويكتري غرفة.. وبعد وفاته استمر ابني في دفع ثمن الأجرة .. تزوج وجلب زوجته للعيش معنا.. لكن بعد أشهر وجدتني في الشارع طردني ذلك الابن الذي ربيته وحسبته مثل ابني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 12th, 2007 at 12 يناير 2007 2:43 م
هل الاباء يسهرون طوال الليل ويبدلون كل ما في وسعهم لكي يامنوا لنا الباس و الاكل و الصحة و يخافون علينا من اي مكروه………. اهدا هو جزاؤهم الشارع في اخر المطاف في هدا السن الدي يجب رعايتهم و حمايتهم…… ولكن لااسف ما نراه اليوم لا يقبله عقل و لاقلب ولا شريعة ولا دين و لا الله سبحانه و تعالى